ليلى المطوع: أسرد البحر كما أحمله في ذاكرتي - صحيفة الاتحاد
محمد نجيم
صدرت مؤخراً للكاتبة البحرينية ليلى المطوع روايتها الجديدة «المنسيون بين ماءين»، التي اعتبرها النقاد رواية عميقة من روائية بصوتٍ واعد ومتفرد. في هذا الحوار تكشف لنا المطوع عن حضور البحر في روايتها، وعن الظروف والأحداث التي دفعتها لكتابة هذا العمل الروائي؛ وكان صدر لها من قبل رواية «قلبي ليس للبيع»، وشاركت في المهرجان الدولي للرواية التي تنظمه فيلا جيليه بالتعاون مع المعهد الفرنسي الثقافي، كما شاركت في ورشة البوكر «الجائزة العالمية للرواية العربية» لاختيار كتاب واعدين ومناقشة أعمالهم القادمة. واختيرت للمشاركة في كتاب «كم رئة للساحل» بمناسبة اختيار الشارقة عاصمة للكتاب عام 2019.
تقول ليلى المطوع في حديثها لـ«الاتحاد»: أعتبر العمل تجربة من التجارب التي أسعى من خلالها لفهم ما حولي، عملي يتعلق بالماء، بشقّيه، العذب والمالح، الذي شكل هويتي وهوية أجدادي، علاقتنا اليوم مع البحر تثير فضولي، تدفعني لأعرف ما الذي حدث حتى نبتعد عن البحر الذي كان يمثل كل شيء في حياتنا، عن أثر هذه التغيرات.
كان والدي يجلسني في حضنه، ليعلمني تصفيق الغواصين، كانت أهازيج البحر لا تفارق بيتنا المبني على بحرٍ مدفون، وتحول ليابسة، والنوارس كل صباح تجتمع على الرصيف، تجتمع على بحرها المدفون. تصرخ في وجهي ليتفتح أول سؤال، ويتشكل فضولي نحو هذه اليابسة المخادعة، التي تصر النوارس أنها بحرها، بينما أراها أنا بيتي. كان البحر لسنوات يتراجع، ليمنحنا أرضاً نسكن عليها بكرم، في أوقات كان يدخل البيوت، يقتحمها، يترك قواقعه وأسماكه في الفناء الداخلي. كانت البيوت تميل على البحر، فنعرف أنها مدينة ساحلية، تكاد البيوت ترمي نفسها قرباناً في ماءه، أما اليوم فنحن ومساكننا ولينا ظهرنا له، دفنا سواحله وابتعدنا عنه.
حين دُفن البحر
* كما ذكرتِ، يحضر البحر بشكل لافت في روايتك، لماذا اخترت البحر الذي عرفتْهُ سرديات عربية وعالمية؟
- خلال رحلتي في البحث، تعرفت على صياد، يجلس على جزيرة صناعية، هنا كان يستفرد بالبحر، يمضي أيامه في هذه البقعة، عندما كانت بحراً، وحين دفِن البحر صار يجلس على اليابسة التي احتلت مكانه، في البقعة نفسها، كان يراها بحراً بينما نراها نحن يابسة لأن هذا ما فطرنا عليه، إنها يابسة، كانت عيناه ترى شيئاً أجهله، كان وحيداً يعيش في ذاكرته، بلا قاربه، بلا أدواته، مثل النوارس التي تعود بوفاء لبحرها الذي دفِن.
هذه التحولات هي عنف خفي، نشعر به ولا نقدر على تعريفه، ولا فهمه، كان البحر بزرقته يأسرني، ثم تحول الماء إلى بناياتٍ تزحف باتجاه الكائن الأزرق، لتلتهمه. ليتحول كل هذا الماء إلى يابسة، ولكن أنا كائن احتاج لهذا الماء ليحيطني ويغمرني، الماء الذي أعرفُ به، أحمله في اسمي وهويتي، أنا من البحرين، من الماءين، فكيف لا أكتب عن من عَرَفني من أكون؟ من منحني هويّتي، وهويّتي هي الماء.
سأسرد بحري كما أحمله في ذاكرتي، كما أشعر به، لا يهمني من كتَب قبلي عن البحر، ولا من سيكتب بعدي، يَهمني أن أفهم هذا الامتداد الأزرق من خلال وجهة نظري. وهكذا كنت أطارد الماء كل صباح، لأرى كيف يفكك الصيادون أكواخهم ويتبعون الماء، كيف يحملون قواربهم ليتبعوه، كلنا نحبه ونتبعه، والماء يبتعد، يوالي ظهره غاضباً منّا.
البحث في الذاكرة الشعبية
*هل يمكن القول، إنك اشتغلت في روايتك على مخزون الذاكرة وحكايات الجدات لتشكيل هذا العمل السردي؟
- جداتي كن يهمسن لي بحكايات البحر، وكان البحر يرعبني حين يغرق الأطفال، حين يلتهم بموجه عائلة بأكملها، حين تخرج منه الكائنات الأسطورية، مثل «بابا درايه» الذي يناديك وما إن تلتفت يخطفك لقاع البحر، نفسه البحر الذي نخاف منه، كنا نلهو على سواحله، نجمع قواقعه، نقف أمامه ونبوح له بهمومنا، ونرمي له الأضاحي، ونتأمله بمحبه.
حين كنت أكتب، بحثت في الذاكرة الشعبية، بحثت في الكتب، وجاء الخيال ليكمل المساحة المفقودة، فهناك بدايات لحكايات تركت بلا توثيق، ومن هنا يأتي الخيال ليكمل الحكاية، حاولت الغوص في أعماق هذا الامتداد الأزرق لأقرأ جغرافيته، فتركت «سليمة» التي تقابل القارئ في أول الرواية لتأخذه في رحلة لعبور الماء، وهي من «مقاليت» النساء أي المرأة التي لا يعيش لها ولد حتى تطأ دم الشريف، لأكشف عن ما يخفيه البحر تحت جلده الأزرق.
كيف ترين المشهد الروائي في البحرين؟
حاولت عند كتابة روايتي طوال ثماني سنوات الابتعاد عن السرد في المنطقة، سواء في البحرين أو الخليج حتى لا أتأثر بنتاج من حولي ورؤيتهم للماء، فمن يتأثر بكاتب، وهو يكتب لربما يعيد ما قاله الآخرون في عمله. أما اليوم فعدت بكل شغف لأقرأ ما فاتني من أعمال مذهلة. أبحث عن الدهشة حين أقرأ، وحالياً منشغلة بقراءة لأهم صوت روائي في البحرين، الروائي الكبير أمين صالح، ويأخذني خياله لعوالم مختلفة تبهرني.
الرابط
تعليقات
إرسال تعليق